محمد باقر الملكي الميانجي
30
مناهج البيان في تفسير القرآن
حدّ « ليكن لي منك صديق » فالأمر عامّ . . . ثمّ قال ما حاصله : جملة القول أنّ الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فرض حتم على كلّ مسلم ، كما تدلّ عليه الآية في ظاهرها المتبادر . أقول : الإنصاف أنّ الآية الكريمة ناصّة بأنّ الأمّة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، والداعية إلى الخير والصلاح من جملة الأمّة الإسلامية بل أفاضلها وأخيارها وأبرارها . إذ قال في صفات هذه الأمّة : « أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » . والظاهر أنّ اللّه تعالى قد حكم لهم بالفلاح وليس حكمه هذا منوطا بقيامهم بالعمل بهذه المذكورات بل الحكم بالفلاح مطلق يفيد أنّ قيامهم بالدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنّما هو لكونهم مفلحين لا أنّهم صاروا مفلحين لقيامهم بهذه الأمور . ثمّ لا يخفى أنّ ما استظهرناه من هذه الآية من وجوب الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر على الأمّة الفاضلة المفلحة لا ينافي وجوبها على من دونهم من عدول المؤمنين وثقاتهم ، فما يستفاد من الآية هو الوجوب على هذه الأمّة الخاصّة لا نفي الوجوب عن سواهم . ومن هنا يعلم أنّه لا تنافي بين الأخبار الدالّة على وجوبها للأئمّة الطاهرين من أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبين الأخبار الدالّة على وجوبها للمؤمنين القائمين بشرائط الإيمان . وأمّا هذه الآية الكريمة فخاصّة بالأمّة الفاضلة المعصومة المطهّرة كما في قوله تعالى : « إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ » . [ النحل ( 16 ) / 120 ] . والظاهر أنّ المراد من الخير ما فيه صلاح الدّين والدّنيا والآخرة ، والمراد من المعروف ما تعرفه العقول بالحسن ، والمنكر ما تنكره العقول لقبحه . فعلى هذا يعمّ المعروف جميع الطاعات والمنكر جميع المعاصي ، فإنّ الطاعات كلّها معروفة حسنة سواء كانت طاعة للأحكام العقليّة أو الأحكام الشرعيّة التعبّديّة ، والمعاصي كلّها منكرة قبيحة كذلك . وليس المعروف ما يعرفه الناس بحسب المحيط الّذي يعيشون فيه ، ولا المنكر كذلك بل المعروف حسن بذاته والمنكر قبيح بذاته